بسم الله الرحمن الرحيم
في تاريخ الأمم عبر وعظات لمن ألقى السمع وهو شهيد، ومن تاريخنا نحن المسلمين الدولة العثمانية التي حكمت معظم بلاد الإسلام قروناً عديدة، ثم أصابها الوهن والضعف وانحل جسدها حتى انهدم وتلاشى، ويذكر المؤرخون بأن من بدايات مرض الدولة العثمانية تطبيقاتها المخالفة لإعلاناتها، فقد كانت الآستانة تعلن تطبيق الإسلام في كل شؤون الحياة، ثم تصدر الأوامر التنفيذية بعكس ذلك أحياناً، وكانت البداية في عهد سليمان القانوني، ثم تفاقم الأمر واتسعت المسافة بين الشعار المعلن والتطبيق المنفذ في الواقع، فساء ظن العلماء والقضاة بالدولة، ثم ساء ظن الناس بها، وبدأ التمرد داخلياً يتراكم حتى انفجر بثورات في اليمن والحجاز ونجد وبلاد الشام وطرابلس، وأخذت الدولة العثمانية تفقد مصداقيتها لدى الناس قليلاً قليلاً، وطفق الثائرون ضدها يحركون المشاعر ويهيجون العواطف مستغلين المظالم والمفاسد الإدارية، معلقين ذلك كله على شماعة تخلي الدولة العثمانية عن أحكام الإسلام وتطبيقاته، والذي يطلع على ما كتب في بلاد الشام ومصر ونجد في فترات الصراع بين من يدعو لبقاء الدولة وإصلاح مفاسدها، ومن ينادي بزوالها لأنها تعلن مالا تطبق، يجد أن الآستانة أساءت إلى نفسها من حيث ظنت أنها تتقدم وتتحضر، وأخلت بجوهر مشروعيتها من حيث اعتقدت أنها تسكت الأعداء أو تنال رضاهم.
وأنست بقول ضعفاء العلم والإيمان، واستبعدت من يذكرها وينبهها، وفرحت بضعف العلماء والقضاة واستخذائهم، فكان ذلك من أسباب وهنها وضعفها ثم تلاشيها.
ومما يستخلص من هذا:
أن للدولة كما للإنسان (طاقة أصلية جوهرية) و(طاقة حيوية عملية) والكمال والقوة والنشاط استمرار الطاقتين معاً وتعاضدهما، والضعف والوهن يأتي إذا أصيبت الطاقة الحيوية العملية، مثل تعطل عضو من أعضاء الإنسان، ولكن الهلاك والموت يأتي إذا أصيبت الطاقة الأصلية الجوهرية، مثل طاقة القلب والدماغ، والتي يمثلها في الدول أساس الدولة ومصدر مشروعيتها وسبب بقائها، مثل النظام الأساسي والدستور والقضاء والعدالة، والتي ليس عند المسلمين مصدراً لها غير الكتاب والسنة (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب).