بسم الله الرحمن الرحيم
من يعادي ولي الله..؟!
قال البخاري - رحمه الله -: حدثني محمد بن عثمان بن كرامة، حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا سليمان بن بلال، حدثني شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن عطاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله r: "إن الله قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب"[1].
وقد ورد الحديث في كتب السنة بألفاظ أخر منها: "من عادى أولياء الله فقد بارز بالمحاربة" و "من عادى لله ولياً فقد بارز الله بمالمحاربة" وفي لفظ "من عادى لي ولياً فقد بارزني بالحرب" وفي لفظ آخر "من عادى لي ولياً فقد ناصبي بالمحاربة".
(من عادى): المعاداة هي تبادل العداوة بين طرفين، أما عداء الفاجر أو الكافر للمؤمن فمفهوم، وأما عداء المؤمن للفاجر فقد استشكل لأن من شأن ولي الله أن يحلم ويصفح عمن يجهل عليه. وأجاب ابن حجر عن هذا فقال: المعاداة لم تنحصر في الخصومة والمعاداة الدنيوية، بل قد تقع عن بغض ينشأ عن التعصب، كالرافضي لأبي بكر، والمبتدع في بغضه للسني، فتقع المعاداة من الجانبين، أما جانب الولي فلله - تعالى - وفي الله، وأما من جانب الآخر فلما تقدم، وكذا الفاسق المتجاهر بفسقه يبغضه الولي في الله ويبغضه الآخر لإنكاره عليه وملازمته لنهيه عن شهواته"[2].
(من عادى لي ولياً): والولي هو صاحب الولاية، وهي حصول القرب بين شيئين حصولاً ليس بينهما ما ليس منهما، ويستعار للقرب من حيث المكان ومن حيث النسبة ومن حيث الدين ومن حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد. وتستعمل الولاية بمعنى النصرة وبمعنى تولي الأمر ويقال للمؤمن: ولي الله - عز وجل -، والله - تعالى - ولي المؤمنين ومولاهم[3] وأولياء الله هم الاتقياء. قال ابن كثير في تفسير قوله - تعالى -: ]ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون[[يونس/62]: "يخبر - تعالى - أن أولياءه هم الذين آمنوا وكانوا يتقون، كما فسرهم ربهم، فكل من كان تقياً كان لله ولياً"[4].
قال ابن حجر في شرح هذا الحديث: المراد بولي الله: العالم المواظب على طاعته المخلص في عبادته[5]، وهذا هو المعنى الخاص للولي الذي يعادي الله من عاداه.
(فقد آذنته): أي أعلمته، والإيذان: الإعلام، ومنه أخذ الأذان، والإيذان بالحرب في هذه الرواية رواية البخاري يأتي من الله - تعالى - لمن عادى أولياءه، بينما جاء المعنى معاكساً في روايات أخر مثل: "فقد استحل محاربتي"، و "فقد بارزني بالحرب"، فهي محاربة من الجانبين، قال ابن حجر: "وقد استشكل وقوع المحاربة، وهي مفاعلة من الجانبين مع أن المخلوق في أسر الخالق، والجواب أنه من المخاطبة بما يفهم، فإن الحرب تنشأ عن العداوة، والعداوة تنشأ عن المخالفة، وغاية الحرب الهلاك والله لا يغالبه غالب، فكأن المعنى: فقد تعرض لإهلاكي إياه، فأطلق الحرب وأراد لازمه أي عمل به ما يعمله المحارب. قال الفاكهاني: في هذا تهديد شديد لأن من حارب الله أهلكه الله"[6]، وإذا ثبت هذا في جانب المعاداة ثبت في جانب الموالاة، فمن والى أولياء الله أكرمه الله. قال الطوفي: "لما كان ولي الله من تولى الله بالطاعة والتقوى، تولاه الله بالحفظ والنصرة، وقد أجرى الله العادة بأن عدو العدو صديق، وصديق العدو عدو، فعدو ولي الله عدو الله، فمن عاداه كان كمن حاربه، ومن حاربه فكأنما حارب الله"[7].
إن أولياء الله الذين يوالي من والاهم ويعادي من عاداهم، هم الصالحون أينما كانوا وفي أي زمان كانوا، وهم قطعاً ليسوا أولئك (الدراويش) البله الذين يعتقد العوام أن الكرامات وقف عليهم، وأن خرق العادات قد خص بهم، وليسوا أولئك المشايخ المتصوفة أصحاب الهيئات والصفات التي يخلعونها على أنفسهم أو يخلعها عليهم أتباعهم، وهم أولى أيضاً ألا يكونوا من أولئك المردة أصحاب الأحوال الشيطانية الذين يستحلون المحرمات ويتركون الواجبات بزعم وصولهم وسقوط التكليف عنهم. قال ابن تيمية - رحمه الله -: "وليس لأولياء الله شيء يتميزون به عن الناس في الظاهر من الأمور المباحات، فلا يتميزون بلباس دون لباس إذا كان كلاهما مباحاً، ولا بحلق شعر أو تقصيره إذا كان مباحاً، كما قيل: كم من صِدِّيق في قباء، وكمن من زنديق في عباء. بل يوجدون في جميع أصناف أمة محمد r، إذا لم يكونوا من أهل البدع الظاهرة والفجور. فيوجدون في أهل القرآن وأهل العلم، ويوجدون في أهل الجهاد والسيف ويوجدون في التجار والصناع والزراع"[8].
تأملات وفوائد من معنى الحديث:
- الحديث أطلق الإيذان بالحرب، بحيث لم يحدد لها مجالاً في الزمان أو المكان، فلا يُظن أن من آذن الله بالحرب في الدنيا بناج في الآخرة إلا أن يتوب.
- هذه الحرب التي يؤذن الله المعادين لأوليائه بها، هي حرب تليق بمن حارب الله، وهي في الوقت نفسه حرب ممن وصف نفسه بالقوي القهار القادر شديد العقاب فهي حرب تليق بمن له هذه الصفات، - سبحانه وتعالى-.
- الحديث توعد من عادى الله ولياً، والعجيب أن الروايات المحفوظة من الحديث كلها لم تنص على الجمع فتذكر العداوة لأولياء الله، فكأن الحديث ينبه بالأدنى على الأعلى، فإذا كان من عادى ولياً واحداً، قد تأذن بالحرب، فما حال من عادى وليين أو ثلاثة أو عشرة أو أكثر؟.
- ليس كل من عادى أولياء الله يكون بالضرورة من الكفار المحاربين؛ فتكفي تحقق صفة العداوة لأولياء في إنسان حتى يكون مؤذناً لله بالمحاربة، فعلى هذا يدخل في الوعيد من يعادي الدعاة والعلماء ويقع في أعراضهم بشكل دائم بلا سبب شرعي مقبول، ويدخل كذلك من يعادي العاملين للإسلام في أي جماعة لمجرد الحزبية الضيقة أو العصبية البغيضة، أو الولاية للظالمين على أهل الإسلام الصادقين.
- ما أسوأ عاقبة الطغاة الذين لم يكتفوا بمعاداة ولي من أولياء الله من العلماء أو الدعاة حتى صاروا يعادون الجموع منهم بل الجماعات، بل إن أكثرهم قد ناصبوا الأمة كلها العداء، ونصبوا لها راية الحرب والبغضاء يوم أن أصروا على أن يسلخوها من دينها ويطعنوا في عقيدتها وأخلاقها وكيانها وقرآنها.
- فلنتأمل قول ابن تيمية - رحمه الله - في قوله عن أولياء الله أنهم "يوجدون في جميع أصناف أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - إذا لم يكونوا من أهل البدع الظاهرة والفجور". فهذه الرحابة والسعة في التعريف، لابد أن تستوقف كل إنسان منا، ليسائل نفسه قبل أن يعادي أي مسلم ليس معروفاً ببدعة ظاهرة أو معصية معلنة مجاهر بها؛ لابد أن يسائل نفسه قبل أن يعاديه: هل لي طاقة بمحاربة الله - عز وجل -؟ ثم يسائل نفسه: لماذا لا أكون من أولياء الله، لأحظى بحماية الله.؟.
----------------------------------------
[1] أخرجه البخاري في كتاب الرقائق/ 18، باب التواضع/38 ح (6502) فتح الباري 11/238.
[2] فتح الباري 11/350.
[3] راجع المصباح المنير للفيومي 2/841، والمفردات للراغب الأصفهاني، ص: 533 مادة: ولي.
[4] تفسير ابن كثير 2/404.
[5] فتح الباري 11/350.
[6] فتح الباري 11/350.
[7] المصدر نفسه، ص: 350.
[8] مجموع الفتاوى 11/194.